Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Friday, 18th August 2017

الطفل السوري الغريق: قشرة على جليد منهار

Posted on 22. Sep, 2015 by in Opinion, World

ريشة: رحمة علي – تصميم: ضحى أيمن

منذ 800 سنة، كتب الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي مرثية عن الأندلس يصف فيها حال العرب بعد طردهم من الأندلس: بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم .. واليوم هم في بلاد الكفر عبدان“.

اهتزت قلوبٌ كثيرة بعد انتشار صورة الطفل “إيلان” الذي وجدت جثته على إحدى السواحل التركية مكبوبة على وجهها في الرمل، وفي صورة جسده نقاء طفل لا يدري ما الذي أتى به إلى مثل هذا العالم أو ما الذي دفعه إلى غياهب الموج يمتص منه حياة لم يفهم أبدًا معناها. الحقيقة أن إيلان ليس أبدًا الأسوأ حظًا في الكارثة الإنسانية والحضارية التي ضربت بلدًا لطالما كانت بلاد عز وفخر، ولكنها كانت.

إذا أردنا أن نكون فكرة مبسطة عن هول ما يحدث اليوم في سوريا، فعلينا أن نرجع للخلف قليلًا لنفهم أولًا “من هي سوريا”. سوريا كانت موطنًا لحضارات قديمة أنارت تاريخ البشرية، بل إن دمشق ينسب إليها كونها أقدم مدينة في التاريخ (لكنها لا تسمى بأم الدنيا). وعلى مدار العصور، لعبت دورًا محوريًا تحديد شكل هذه المنطقة، ولعل أبرز محطاتها كان حين كانت عاصمة للخلافة الأموية ومركزًا لأكبر قوة مركزية في العالم. في العصر الحديث، ناضلت سوريا للاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، وحين تم ذلك سيطر على قاعدتها السياسية حزب البعث الاشتراكي، الذي تنازع داخله العديد من القادة العسكريين مما أدى إلى عدة انقلاباتٍ متتابعة أفضى آخرها إلى وصول حافظ الأسد وزير الدفاع إلى سدة الحكم في آواخر الستينيات، ولتلافي الانقلابات المتكررة، أرسى الأسد قبضته على الحكم بتعيين أبناء طائفته العلوية في المراكز القوية في الجيش واختص أقاربه بالمناطق الأكثر حساسية. ولم يكن مرحبًا خلال حكم الأسد باختلاف الآراء السياسية أو بزوع الأحزاب على مختلف أشكالها، وكان عام 1982 محطة لثورة خرجت من مدينة حماة تحت مظلة الحركات الإسلامية، ولكنها سرعان ما أخمدت فيما عرف بـ”مجزرة حماة الكبرى”. وبعد وفاة حافظ الأسد، تولى ابنه بشار سدة الحكم، واستمر الوضع السياسي كما هو حتى انفجرت الثورات العربية في عام 2011 وكانت سوريا إحدى محطاتها بعد وفاة الطفل أنس الخطيب، لتبدأ المسيرات في معظم نواحي البلاد تطالب بإسقاط النظام، وصولًا إلى إعلان إنشاء ما يعرف بـ”الجيش السوري الحر” المكون من المنشقين عن الجيش النظامي وبعض المتطوعين. كانت الصورة حتىذاك الوقت بها شيءٌ من الوضوح، وبدأت حينها بوادر الكارثة الإنسانية في الظهور، مع استحداث حركات مسلحة جدية كجبهة النصرة واللواءات الإسلامية وصولًا إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما تعرف بداعش.

لسنا هنا بصدد تحليل الصراع السوري، لكن وجب علينا ذكر معالم المتناحرين الذين يتشاركون بنسبٍ متفاوتة وزر المأسآة الحالية. في مهد هذه الحرب، نشأت الأزمة الإنسانية في سوريا، والتي بدأت بنزوح المتضررين من الحرب من منازلهم، مرورًا بتهجير الفرق المتنازعة لأهالي المدن الذين لا يشاركونهم نفس المعتقد أو الهدف، وصولًا إلى حصار المدن بالشهور وانقطاع الكهرباء والماء عنها بالأسابيع وانتشار أوبئة الحرب دونما أقل اهتمام من حملة السلاح. وبين الفينة والأخرى، كانت تتسرب صور التعذيب البشعة في السجون النظامية التي ابتدع فيها فنون تعذيب لا تخطر على ذهن بشر سوي، هذا بالإضافة إلى إلقاء الطائرات النظامية للبراميل المتفجرة والقنابل الفسفورية، قبل أن تأتي داعش أحدث نجوم شباك العار السوري بالتهجير القسري والذبح العشوائي والهدم الممنهج لكل معالم حضارة هذا البلد. وأيًّا كان اعتقادنا عما يجري في سوريا سواء كانت حربًا على الإرهاب كما يدعي النظام، أو حربًا على الكفر والفساد كما يرى أهل داعش، أو حربًا إقليمية طائفية كما يرى معظم الآخرين، فإن الخاسر الأكبر كان الشعب الذي تحولت ملامح الحياة عنده لقصاصات أحلامٍ منثورة بعد أن استولى الدمار على شوارعهم العتيقة، بعد أن امتنعت عنهم مصادر الدخل والرزق، بعد أن انتكست كل معالم الحياة الآدمية من تعليم وصحة وغذاء وغيره. دمشق التي ناجاها ابنها نزار قباني قائلًا: يا شام، إن جراحي لا ضفاف لها .. فامسحي عن جبيني الحزن والتعبا

وأرجعيني إلى أسوار مدرستي .. وأرجعي الحبر والطبشور والكتب”.

 

أمست اليوم بحاجة ماسة إلى من يمسح عنها دمها السائل، وسط أقدام مرتزقة دنسوا أرضها من نواحٍ كافة. وبحسب تقارير مفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة، فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين ما يزيد عن الـ4000000 لاجئ يعيشون في ظروف متدنية، مع وجود قرابة المليوني طفل تحت الـ18 عامًا بات مستقبلهم مجهول الهوية تمامًا في ظل نقص الخدمات التعليمية والبنية التحتية الأساسية. ويشير تقرير منظمة أمنستي الدولية إلى وجود 95% من هؤلاء اللاجئين في خمس دول فقط هم تركيا ولبنان والعراق والأردن ومصر، ورغم منح هذه الدول الفقيرة نسبيًا مساحة من الحرية لمعيشة اللاجئين، إلا أن الظروف المعيشية لعائلات تركت كل إرث حياتها وراءها هربًا بحياتها تبقى مزرية. ونظرًا لهذه الأوضاع الشديدة القسوة، بدأ السوريون مؤخرًا بالالتجاء للبحر أملًا في ملامسة شواطئ أوروبا والحصول على فرصة حياة جديدة، رغم أن هذه المغامرة في حد ذاتها هي مواجهة مباشرة مع الموت، لكنهم يرون في مصارعة موج المتوسط والتسلل من شواطئ اليونان إلى المجر مرورًا بمقدونيا وصربيا أو بلغاريا لينطلقوا إلى حزام الدول الغنية أملًا أكبر من البقاء فيما هم فيه، لذا حين ذكرنا آنفًا أن إيلان لم يكن الأسوأ حظًا لم يكن بذلك مبالغة، بعد أن ابتلع المتوسط حرفيًا المئات من الأطفال الصغار الذين لم يسعفهم الحظ لتصل بقاياهم إلى الشاطئ، وبعد أن قضى عدد آخر مختنقين في قاطرة كانت تهربهم عبر الحدود.

أخيرًا، بقي علينا أن نسأل أنفسنا “كيف بإمكاننا المساعدة؟”، وإجابة هذا السؤال منوطة بقدرة الفرد على المساعدة، انطلاقًا من الدعم المادي والتطوع في الجمعيات الدولية والمصرية المختصة بشؤون السوريين، مرورًا بتذكرهم في دعائنا وصلاتنا، وانتهاءً باستيعابنا لحقيقة معاناتهم، لمقدار ألمهم، لحجم احتياجهم، لعظم إبائهم، واحترامنا لهم. إن زمننا الحالي عتي ومشوش بشكل غريب، لم يعد تمييز الحق فيه هينًا، ولم يعد البحث فيه عن الإنسانية عملًا منطقيًا. لقد نزعت الأزمات الأخيرة من قلوب الكثيرين مشاعر التعاطف وحب الغوث، خاصة بعد تكرر مظاهر البشاعة حولنا حتى أمست مشاهد عادية قد نستغرب غيابها أكثر من وجودها، لذا وجب على كل فرد منا أن يراجع بقايا إنسانيته، وأن ينظر بداخله وأن يبحث عن مظاهر الجمال بقلبه، لأن سعادتنا موثوقة بقدرتنا على تغيير سوء الحال من حولنا للأفضل، ذاك على الأقل ما كنا سنتمنى أن نجده لو كنا في موضع مشابه لهم. فلنتذكر دومًا أن ذلك الشعب ما زال عزيزًا وما زال جزءًا وثيقًا من أمتنا، بل كان يومًا جزءًا من جمهورية مشتركة بيننا  (الجمهورية العربية)، ولنتذكر أبيات أبي البقاء الرندي في نفس مرثيته: “لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان..فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول..من سره زمن ساءته أزمان”.

 


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email