Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Thursday, 27th April 2017

المرايا: أرض النعام

Posted on 12. Jun, 2015 by in Columns, Egypt

ost

وقف متصلبًا يكاد يقتله التفكير، لم يعد يعرف ما الذي بيده ليفعله، لقد بدأ الخناق يضيق عليه من جوانب عدة، أصبحت خطواته أثقل وأقل مهارة. خرج ليطالع أرض النعام التي يحكمها، يجد نفسه جاهلًا بها مهما أضنى نفسه في دراستها. أرضٌ لا تنكر الشر ولا تعاقب الظلم ولا تنطق وقت ضيقٍ أو شدة. يظن الكثير أن جل همّه وخوفه مُنْصَبٌّ على رضا النعام وسعادتهم، لكن ذلك ليس بصحيحٍ على الإطلاق، فهو يعلم أن النعام يرضى بقليل من الزمار (صوت النعام) المصحوب بشوائب النحنحة والسهت. النعام كائنات مسالمة لدرجة ترعبه من شدة عدم منطقيتها. لقد اختبر صبر النعام وقدرتهم على الشجب أو الاعتراض مرارًا، قتل وسلب حرية كثير منهم ليرى ردودهم، و لكن كانت كل مرة كسابقتها، كان النعام يضع رأسه في التراب كعادته متظاهرًا بالجهل وعدم الفهم والاهتمام. لم يكن هو ليتمن كائنات أسهل في القيادة، لقد كان مقتنعًا تمامًا أنه محظوظ بهم وأنهم محظوظون لوجوده.

أخذ يغوص في التفكير في طبيعة النعام، تلك الكائنات التي تعيش في غرورٍ شديدِ وتظن أنها أفضل الطيور لكونها الأكبر حجمًا، ترى كبرياءها الزائف منصوبًا في رقبتها الطويلة التي تندثر في التراب في جبن شديد أمام معظم المشكلات. تتباهى بكثرة ريشها رغم أن أرجلها عارية وقبيحة. هو يعلم جيدًا أنها كائنات كسالى بالكاد تقتات من أجل عيشها وتعتبر ذلك أهم إنجازات حياتها. ورغم كثرة ميزات ريشها، إلا أنها تفضل التباهي به عن استخدامه فيما ينفع. لربما كانت مشكلته الوحيدة في وعده الكبير لشعب النعام، ذلك الوعد الذي اضطر لبيعه كي يستتب في مكانه وسخّر له العديد من الببغاوات ليسوقوا له بين النعام، ذلك الوعد الذي رغم إدراكه التام لاستحالته، إلا أن شعب النعام فاجأه بتقبله وتصديقه، خصوصًا النعام الذي عاش لأيام كثيرة حتى لم يعد يتمن سوى تحقيق تلك المعجزة أمامه.

كان يظن أن أكثر من يهدد وعده هو بيض النعام، ذاك البيض الكبير في الحجم والذي من لا يعرفه جيدًا قد يسيء تقدير قيمته، فهو بيض هش وضعيف وإن احتوى على فوائد كبيرة بداخله. ذاك البيض القليل العدد الذي كلما تشقق ليخرج نعامًا صغيرًا يؤثر على صوت الببغاوات ويعيق قوتهم في غرس الوعد في الأذهان. بيض النعام في معظمه أثبت أن صوته أعلى بكثير من أفعاله، مما أزال همه إلى حدٍّ كبيرٍ من رأسه.

أكبر مشاكله التي لا يراها معشر النعام لحسن الحظ هي محاولاته المستميتة لبناء احترام له وسط شعوب الغابة، فهو لا يملك من الببغاوات ما يكفي لإقناع باقي الغابة بالوعد، كما أن النعام أسهل بكثير في التحكم والسيطرة. أهم حلفائه هم الأبقار الذين يمدونه باللبن باستمرار لتبقي على رمق النعام من الجفاف. الأبقار ليسوا أذكياء ولكن اللبن يقوّي من كفتهم وهم يحتاجون إلى مساندة النعام إذا اضطروا لمواجهة أبناء عمومتهم الثيران، ورغم أن الاثنان ينتميان لنفس الفصيلة إلى أن كلاهما يمقتان بعضهما ولا يمانعان التحالف مع الشيطان نفسه خوفًا من الآخر. عليه أن يحظى برضاهم على الدوام ويجدده كل حينٍ وإلا تكشف جزء كبير من حقيقته أمام النعام، خصوصًا والصقور تلوح في الأفق منتظرة فرصة للإجهاز عليه في أقرب وقت تحت أي ذريعة. كما أنه يخاف أيضًا من جماعته الأم التي أوصلته إلى مكانته، فهي تتحكم في النعام لعقود بالقبضة القوية واللسان العذب وأساطير عظمتها التي تسقيها للأجيال تباعًا. تلك الجماعة لن تتأن في محوه تمامًا كمن سبقوه إن أحسوا أنه يمثل خطرًا عليهم. يحاول أن يشغلهم بالذئاب الكامنة على أطراف أرض النعام لكنه يعلم أن ذاك الإلهاء لن يدوم كثيرًا.

طالع الأرض أمامه في حيرة لا يعرف لها مخرجًا، أخذ ينظر للنعام أمامه في استعجاب، كيف له أن يصدقوه، أخذ يخلع الريش من حوله بعد أن اطمأنّ أن لا أحد يراه، أخذ يحك جلده الخشن بقوة وهو يطالع اللوحة التي كتب عليها وعده المنشود بخطٍ عريض: “النعام سيطير .. تحيا أرض النعام”.


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email