Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Friday, 18th August 2017

المرايا: معالي “الزبال”

Posted on 22. May, 2015 by in Columns, Egypt

A garbage collector carries collected garbage on his tricycle in the outskirts of Beijing

أخذ يستجمع نفسه في صعوبة بعد صعوده لتسعة أدوار على رجليه بعد ابتسامة البوّاب العريضة وهو يخبره بأن المصعد معطّل. وقف أمام الباب لبضع لحظات ثم طرقه في خفة وهدوء. فتحت الباب له شابة في أوائل العشرينات بانشكاح كبير ثم دلته على الصالون حيث وقف رجل في منتصف الستينات ليحييه بحرارة ويقبل وجنتيه على عجل. دعاه للجلوس، وأخذا يتبادلان النظرات لدقائق معدودة قبل أن تخرج الشابة بكؤوس الشربات وبعضًا من الشيكولاتة الفاخرة، ثم قرر الرجل أخيرًا أن يفتح باب الحديث:

– خطوة عزيزة يا سيِّد
– الله يخليك يا عمي
– إذن، أين العائلة الكريمة؟
– للأسف والدتي متوفية، ووالدي يواجه صعوبات بالغة في العمل منعته من الحضور
– لعله خير
– إن شاء الله
– إذن، كما أخبرتني سوسن فأنت لم تقابلها من قبل ولكن عرفتها من خلال أصدقائكما المشتركين
– هذا صحيح
– وما الذي دعاك إلى التقدم لطلب يدها مباشرة إذن دون أن تأخذ الفرصة للتعرف عليها أولًا؟
– خير البر عاجله يا عمي
– بالتأكيد، لقد علمت منها أنك تعمل مع والدك في مصنعه وأنك تمتلك فيلا في موقع متميز في التجمع
– ولدّي بعض الأسهم الخاصة وأدير مشروعًا لتوسيع نطاق عمل والدي، واشتريت لتوي سيارة جديدة لتناسب المرحلة الجديدة من حياتي
– شيءٌ عظيم، هل معلومات مهمة أخرى؟
– والدي كان يعمل في جمع القمامة
– نعم؟!
– وبعد سنين عدة أكرمه الله بجمع نفايات التدوير وتقدم حتى افتتح مصنع التدوير
– إنها قصة ملهمة
– ما زالت بطاقته تحمل اسم وظيفته الأولى، وقد أقسم أن يشهد على زواجي أمام الجميع ببطاقته، فهو فخور جدًا برحلة كفاحه
يعض الرجل على شفته السفلى لبضع ثوانٍ، ثم يقول،
– لا ضير من ذلك إن شاء الله
– وبطاقتي يا عمي عليها نفس الوظيفة، لأن والدي أصرّ على أن أحمل اسم المهنة
– من الممكن تغيير ذلك حسبما أظن
– لا أعتقد أن أبي سيسمح بذلك، ولكن عليك أن تعلم أنني أنزل إلى جامعي القمامة ميدانيًا في أحيانٍ كثيرة لأشرف عليهم، وأساعدهم في بعض الأحيان
– أترجع إلى بيتكم بملابس متسخة؟
– نعم ولكنني كثير الاستحمام لا تقلق، كما أن الحمام في بيتنا مجهزٌ بنظام خاص لتنقية الروائح والـAromatherapy
– أنا لست جيدًا في التكنولوجيا، ولكن كل هذا متقبل ما دامت سوسن ستعيش في مستوى مادي محترم
– أتظن حقًا يا عمي ذلك؟
– عذرًا؟
– أظن أنك أسأت التقدير، فلا يمكننا العيش سويًا، فهي من الأسياد وأنا من العبيد، ما زلت أتذكر كلامك مع ذلك المذيع الذي يرتبط اسمه لديّ لا شعوريًّا بالبرسيم وأنك ذكرت أنك من طبقة مختلفة، ما زلت أتذكر حين مدحت ذاك المذيع قائلًا: “إذا كان في مصر ثلاثة أهرامات، فأنت الهرم الرابع”. لقد كان ذلك مضحكًا للغاية ووجب شكرك عليه. أتعلم ما هي المأسآة حقًا؟
احمرّ وجه الرجل شدة..
– أن زبْل الأرض في اللغة هو إحياؤها، أي أن وظيفة من يعملون معي هي إحياء الأرض، نعم يتسخون كل يوم، ولكنهم يتنظفون بعدها وما بداخلهم دائمًا نقي. لكنك يا سيدي لست كذلك!
– أتتجرّأ عليّ؟!
– أبدًا، الرسول عليه الصلاة والسلام قال عن العصبية القبلية: “دعوها فإنها منتنة”. وإذا كنت معترضًا على كلام الرسول، فإنك من بداخله القمامة، وهي نوع لا يستطيع أمثالنا للأسف تنظيفه، هي نوع لا تزول رائحته بالماء، بل تستطيع دائمًا شمه في كلامٍ بغيضٍ وسلوك مشين. إنني أشفق عليك حقًا يا سيدي، فأنا حقًا عبدٌ لله أما أنت فسيدٌ لزمرة من “المنتنين”. لا أستطيع أن أرى ولدًا لي يهان بسبب نتانة جدِّه، ليس ذاك الذي يعمل في القمامة، ولكن ذلك الذي يمتلئ قلبه وذمته وحكمه وعقله وكل جوانب حياته بالقمامة

غادر المكان في هدوء تاركًا وراءه الرجل بوجه يعلوه مزيجٌ من الصمت والغليان، أمّا سوسن فظلت كالبلهاء بنفس ابتسامتها التائهة.


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email