Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Friday, 18th August 2017

قصة قصيرة: رمضان بين السطور

Posted on 02. Jul, 2015 by in Culture, Egypt

tumblr_nqbfikmx4U1qfsbyvo1_500

رحت يا شعبان؟
وقفت بهية فوق الكرسي و بيدها الزعافة لتنظف أسقف الغرف كعادتها كل شهر…و الأطفال حولها يركضون و يصرخون بفوانيسهم الصينية الجديدة و كعادتها كل سنة كانت تتمنى أن تزداد التبرعات للدار حتى يزداد دخلها و لو لهذا الشهر فقط. و لكن على غير عادتها كانت تنتظر ما هو أكثر من زيادة مرتب…

جلس عم أحمد على حافة سريره و هو يحدق بمسمار بارز من الأرضية الباركيه بغرفته…ثم أخذ يداعب المسمار برجله المتشققة…كان يحاول ألا يلتفت لصورة ابنه هيثم. تلك الابتسامة من وراء زجاج البرواز تمزقه كلما ذهب بنظره نحو الكومودينو…

وقف الصبيان في احدى الشوارع الجانبية يلعبون بكرة بالية و كان سمير يجلس ليستريح على الرصيف محدقا في الفضاء…في اللا شئ. لمحته ماريان بنت الجيران و هي عائدة من الكشك. “كل سنة و أنت طيب يا سميييييير!” قالتها و اهدته بعض الحلوى. قبل حلواها بإبتسامة و مسح الرصيف بيده لتجلس بجواره.

جلست شيماء متكاسلة على مقعدها المخلع في ريسبشن دارالأيتام والمسنين بينما كان بعض المتطوعين بالدار يزينون المكان بزينة بالية و فانوس عتيق قد تكسرت بعض زجاجاته…والبعض الأخر يهرول بالياميش و اللحم و غيرها من التبرعات الرمضانية…

أنت جيت يا رمضان؟

خرجت بهية من باب المشفى. كانت تأمل أن يبدأ الشهر ببركة…بركة ألا تكون مريضة…
و لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن…ماذا سيحل بثلاثة عشر يتيما وجدوا فيها أما؟ لو كان الأمر يقتصر عليها لما أهتمت…كانت لفتحت ذراعيها للمرض و الموت كما تفتحهما لأيتامها الثلاثة عشر…

خرج عم أحمد من غرفته ليتمشى قليلا بالشارع…”جدو ! جدو!” استوقفه الصوت كصعقة و رفع نظره من الأرض ليرى طفل أية في الجمال يهرول ناحيته بفانوس و أمه تسير وراءه…كان على وشك أن ينحني و يفرد جناحيه له لولا انحراف الطفل قليلا عن خط مساره و ارتمى بحضن عجوز أخر…

خرج سمير و ماريان من حديثهما بسبب تأخر الوقت…بقي هو قليلا في الشارع المظلم بعد رحيلها يفكر بكلامها.  كانت تتمنى أن يمر رمضان دون أن يوبخها أحد لإفطارها علانية قبل المغرب. و ودت لو تشترك مع شباب و بنات الكنيسة في توزيع العصائر و التمر عند الإشارات وقت أذان المغرب ككل سنة. لولا حالات الخطف و البلطجة المتزايدة و خوف أهلها لحققت أمنيتها الثانية.

خرجت شيماء عن المعروف هذة السنة…و قررت أن تسعد من حولها…ففاجأت من تبقى من مسنين بالدار (حوالي خمسة) بعمرة رمضان على نفقتها الشخصية، و اشترت مسرح عرائس صغير للأيتام و معه عرائسه…و قسمت ما تبقى لها على ظرفين أحدهما لعم أحمد و الأخر لبهية…

وحوي يا وحوي!

فتحت بهية الظرف و دمعت عيناها و هي تعد المبلغ…نظرت للسماء من شباكها شاكرة لله، داعية إياه أن يشفيها…ثم أسرعت إلى غرفة المعيشة و بدأت تمسح مسرح العرائس و هي تمسح دموعها ثم نادت باقي الأطفال ليجهزوا معها عرض اليوم…

فتح عم أحمد باب غرفته و استلقى على سريره و بيده الظرف. دقائق و كان الباب يُدق سريعا. ادخل!
فُتح الباب و ظهر رأس صغير من ورائه. نظر العجوز للطفل متعجبا حتى أوضح “أنا كريم يا جدو!” استقام الرجل و فتح ذراعيه فجري الطفل إلى حضنه بلهفة و التحما ببعضهما…

فتحت ماريان باب البيت لتجد سمير أمامها. عرض عليها أن تتطوع معه برمضان بأعمال دار الأيتام. فوافقت بشرط أن يساعدها في موائد الرحمن التي تنظمها الكنيسة. النصف بالنصف. وافق سمير بدوره و اعطاها رقم هاتفه…

أشرفت شيماء بنفسها على الطبخ و أشتركت في تنظيم المائدة و فاجأت الجميع بتلفاز جديد “أحدث موديل” وضعته على طاولة صغيرة أمام مائدة الطعام حتى يتسنى للجميع مشاهدة التلفاز أثناء الطعام. كل هذا لأنها لم تفرح منذ مدة طويلة…ففكرت في إسعاد من حولها لإسعاد نفسها…

مدفع الإفطاااااااار… إضرَب!

أخذت ماريان توزع التمر على الجميع قبل أن يصلوا المغرب جماعة، ثم أخذت تصب الملوخية في الأطباق ريثما ينتهون من صلاتهم…انتهى الجميع من صلاتهم و جلسوا في أماكنهم. سحب سمير الكرسي لماريان لتجلس ثم أخذ مقعده بجوارها. فتحت شيماء التلفاز على برنامج هزلي و بدأ الجالسون بالضحك…و يتعالى صوت ضحكاتهم مع تعالي صريخ الضحية حتى كادوا يختنقون من الضحك أثناء الأكل…
جاءت الإعلانات. قل الضحك. وسعت العيون.
انخفضت رؤوس الأطفال عندما شاهدوا إعلانات التبرع لدور الأيتام. لاحظت شيماء عبوسهم فغيرت القناة…كليك! ظهر برنامج هزلي أخر فتضاحك الجميع. جاءت الإعلانات. قل الضحك. وسعت العيون. اختفت ابتسامة بهية عندما رأت أمام عينيها ما قد يحدث للأيتام إذا خطفها السرطان. لم تحتمل الفكرة و استأذنت باكية للذهاب إلى الحمام. لاحظت ماريان ما قد حدث فلحقتها بحجة إحضار صينية الحلو. لاحظ اثنين من المتطوعين الجو العام و ذكروا الأطفال بالمسرح الذي ينتظرهم فهللوا و قفزوا من الكراسي ليتجهوا إلى غرفة المعيشة.
رجعت ماريان و عند اقترابها من المائدة لاحظت انحناء رأس عم أحمد لأسفل و فهمت من اتجاه تجاعيد وجهه أنه يبتسم. نعم…يبتسم للسبحة التي صنعها حفيده له من حبات خرز بلاستيكية. حفيده الذي غافل أهله و ركب المترو خلسةً ليزور جده الذي اكتشف وجوده بالصدفة البحتة. ظلت شيماء تقلب في القناوات في ملل حتى تركت الريموت…جاءت الإعلانات. شدت أضواءها و أغنيتها انتباه عم أحمد…في لقطة شاهد هيثم أحمد زكي يلوح لأحمد ذكي المتوفي و كأنه رأى ابنه هيثم الذي لم يكلمه منذ عشر سنوات يلوح له بنفس الحرارة…

“جينالكو من اللى فات نفكركوا باحلى الذكريات!”

سقطت السبحة…

“احلى حاجة فى رمضان زى ما هو فى كل زمان دايما بيجمعنا!”

اغرورقت عيناه بالماء…

“حضن حد بتحبة مايتعوضش!”

اجهش عم أحمد بالبكاء كطفل وسط فزع الجميع…

“ولا ضحكة فى التيلفون زى ما بتشوفها العيون واحنا مع بعض حاجة تانية!”

بدأ الجميع يلتف حول عم أحمد بما فيهم الأطفال ليحضنوه و تشابكت الأذرع حوله لتحتويه…التفتت شيماء إلى التلفاز و وجهت الريموت نحوه كمن يوجه مسدس إلى عدو…

“خيوط من نور تجمعنا من كل زمان ومكان خيوط رابطة قلوبنا بنزبن بيها رمضان وتكمل لمتنا”
كليك !


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email