Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Tuesday, 27th June 2017

ثم بَكَت – قصة قصيرة

Posted on 15. Apr, 2015 by in Culture

Caricature by: Doha Ayman

ريشة: انجي قاسم، تصميم: عمر هشام

أعلم أنّ أحدًا لن يقرأ صفحة اليوم، ولا أيّا من الصفحات التي كتبتها قبل ذلك، ولكنني متقبل لذلك تمامًا، فالكتابة بدون تصريح سيادي هذه الأيام جريمة من الدرجة الأولى، وقد أثبتت الأيام كيف كان لبعض الكتابات المنحرفة أعظم الأثر على تأجيج الفوضى والخراب في بلادنا. إذن هذه الصفحة لي أنا أيضًا لربما نشرتها في يومٍ ما.

سأكتب اليوم عنها أخيرًا، أراها كل يوم تمشي وحيدة في ذلك الفستان الطويل المتشح بالاحمرار، تمشي بخطوات متسارعة ورأسها محنيٌّ للأسفل بانكسار، ثم تقف بعد بعض خطوات وترفع رأسها بانتصاب وتردد نفس الكلمات: فين الودع، هات الودع، عايزة البدع،  امسك الجدع، راح ولا رجع، ولا غيره رجع …

كنت أنظر لها من فتحة شباكي حين تمر بحارتنا كل يوم قبل غروب الشمس، قررت بالأمس أن أتتبعها من بيتي في مجرى العيون، رأيتها تمشي وتردد نفس الكلمات بنفس الطريقة حتى وصلنا إلى السيدة عائشة، لكني لم أستطع أن أكمل مهمتي لأني لا أملك تصريحًا لدخول المنطقة، فالمشروع العبقري الذي صمم منذ 10 سنوات يقضي بتصنيف أحياء القاهرة حسب حالاتها، ليكون لكل منها خدماتها الخاصة وقنواتها الخاصة وأصبح كل شيءٍ مصممًا بعناية لكل منطقة على حدة، ولكن لا يجوز لأحدٍ أن يتجاوز منطقة إلى الأخرى دون تصريح سيادي. كنت ذكيًا بما فيه لألتقط لها صورة في الخباء قبل عبورها إلى السيدة عائشة، واستطعت أن أحصل على بعض الصور الخاصة بموقفها الشهير على الجهة الأخرى.

أخذتُ الصورة وأدخلتها على جهازي لربما استطعت التعرف عليها. كل المواقع المسموح بها على شبكة مصر العالمية لا تظهر أي نتائج، لكنني قررت أن آخذ المغامرة إلى بعدٍ آخر ودخلت إلى ما يعرف بشبكة الإنترنت العالمية، والتي لا يسمح لمن هم في منطقتنا باستخدامها لدواعٍ أمنية، لكن صداقتي بإبراهيم جارنا جعلت الأمر ممكنًا. المهم أني وصلت إليها من خلال الشبكة، ووجدت خبرًا مكتوبًا تحت صورتها بعنوان “الناشطة السياسية شكرية السنبلة تشارك في احتجاجات العمال على خفض العلاوة السنوية إلى النصف”، كما بدا لي أن الصورة تشبه حي الشرطة المعروف سابقًا بالزمالك. تركت الجهاز وذهبت إلى أبي لأسأله عن المرأة التي تبدو في الصورة صحيحة العقل على عكس ما أراه يوميًا. وما أن ذكرت لأبي الاسم حتى انتفض وسألني بعنف كيف وصلت لذلك الاسم، فأخبرته بتوتر ملحوظ أني سمعت إبراهيم يذكره لأمه. سكت أبي لبرهة ثم قال في حزم واضح: ” إنها من أعضاء شبكة النار، إياك أن تنطق اسمها مجددًا”.
فزعت لما سمعت، فلقد درسنا الكثير عن شبكة النار في مواد الوطنية العسكرية المختلفة، هؤلاء الخونة الذين خرجوا بشعارات وهمية منذ ما يقرب من 30 سنة في عيد الشرطة المجيد، وكانوا من الذكاء بحيث كانوا يدعون أنهم من اتجاهات مختلفة وأنهم لا ينتسبون لفصيل بعينه، وظلت الفوضى العارمة تضرب بلدنا حتى جاء القائد العام وخلصنا منهم بالتدريج، فقد ظلوا ينبحون بعد وصوله للحكم أيضًا بتمويل من أم الشر، دولة جورجيا اللعينة، حتى قضى عليهم جميعًا بحنكة لا مثيل لها، ومع ذلك ظل بعضهم يخرجون ليشككوا في نزاهة مجالس العدالة العليا وصفاء مجلس أديان مصر الأعلى، وظلّ بعضهم يخرج في تجمعات تتسبب في مقتل المواطنين الذين دافعوا ببسالة عن وطنهم، وأصر آخرون منهم على أن يصلوا الفجر جماعة بعد الحظر وبعد فتوى رئيس مجلس الأديان المستند إلى قول الرسول الآخر محمد: “من صلّى الفجر في جماعة فهو في ذمة الشيطان حتى يصبح”. ترى لما انتمت هذه المرأة لذلك الكيان؟

رجعت إلى الجهاز وأخذت أبحث عنها أكثر حتى وجدت أنهم يكتبون عنها في الشبكات الخارجية أنها كانت معروفة كمعارضة للاستبداد “لم أفهم الكلمة لأكون صريحًا” وأن آخر مشاهدها المعروفة هي حين قتلت ابنتها الكبرى أمل بين يديها في إحدى تلك الاحتجاجات بيد البلطجية “لا أعلم معناها أيضًا، لكنها غالبًا يقصد بها لجان الحفاظ على أمن الأحياء”، وبعدها تم اعتقالها ولم تتفوه بكلمة واحدة في المحاكمات وأثيرت شائعات عن انتهاكات وحشية لها في نفس التوقيت (لا بد من أن هذه هي سياسة الشبكات الخارجية في تشويه دولتنا) وأنها حصلت على حكم بـ27 سنة من السجن المشدد.

بدا لي الأمر واضحًا الآن، لقد نزل عليها غضب الله بسبب خيانتها للبلد. أظن أني سمعت  صوت الباب، فتح أبي الباب وأشار إليّ ليدخل اثنين من قوات الحفاظ على أمن الأحياء ويأخذوا الجهاز بعنف. ذهلت ولم أنطق بكلمة، فأنا أعلم أني مخطئ ولا حق لي، هل أعتذر؟ هل أسكت؟ هل أدعي لقائدنا ليفهموا أنني لست سوى طائش تافه؟ نظروا إلي في تمعن ثم مضوا. سمعت صوت شكرية بالأسفل، فتحت الشباك ورددت في خفوت شديد “شكرية!”. نظرت لي في خوف ثم ضحكت بجنون، ولكني أقسم أنها بكت أثناء ضحكها، انقبض قلبي في شدة قبل أن أسمعها تردد: فين الودع، هات الودع، عايزة البدع، امسك الجدع، راح ولا رجع، ولا غيره رجع…


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email