Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Thursday, 19th October 2017

ليلة العيد – قصة قصيرة

Posted on 07. Mar, 2015 by in Culture

unnamed
“يا ليلة العيد..اّنستينا..”

غنت أم كلثوم لمدة بدت وكأنها ساعات، ومع صوتها المدوي مضت الثواني والدقائق في بطء مريح على القهوة.

ليلة العيد في قلب القاهرة لها أوجه متعددة قد تفاجئ الكثيرين. أوجه بعيدة كل البعد عن “لمة العيلة” و “فرحة العيد”، و”الكحك” و”العيدية” و ضحكات الأطفال البريئة. 

قد تصل بعض هذه الضحكات في خلسة إلى مسامع الجالسين في القهوة، ولكنها سرعان ما تختفي تحت ظلمات الأغاني التي لا تتغير، وأصوات الشيشة والأكواب، والضحكات متقطعة الأنفاس.

كان جالسا حول مائدة مستديرة مليئة بأكواب فارغة وبقايا السجائر التي كانت تتطاير كل مدى مع نسيم الهواء المعبأ بروائح القاهرة الجميلة، من عوادم السيارات وصناديق النفايات و ما إلى ذلك. بينما يستمع إلى الأصوات المألوفة التي اصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية، أخذ يراقب ما حوله و يبحث في وجوه الجالسين عن أصغر بصيص من ألوان السعادة أو الرضا، لكنه لم يجد إلا لونًا ما بين البياض و السواد بعيدًا كل البعد عن الرمادي.

بين الخمس أشخاص حول المائدة، كان هو أكثرهم وعيًا وأقلهم سعيًا وراء ما يعتقدون أنه مصدر السعادة وراحة النفس. ربما أصبحت مناعة جسده أقوى من الـ”دماغ”، وربما كان يحاول عقله الباطن التمرد على ليلة العيد. تراقصت أضواء العيد المعلقة في الشارع في عينيه، ومع كل كلمة تغنيها أم كلثوم كان يغرق في عقله الباطن، سابحًا إلى مكان ما، حيث ينتظره مزيج من الحزن، والخجل، واللا مبالاة، والسعادة الفارغة. ذلك المكان الذي أصبح يزوره كل عيد، وما أكثر أعياده، حيث ينكمش الخجل مؤقتًا تحت أضواء القهوة و دائرة الأصدقاء، ثم يعود للظهور في الصباح، ثم يختفي مرة أخرى حتى ليلة العيد القادمة.

من الأصوات التي كانت لا تتغير أبدا كانت أصوات “الـشحاتين” اللذين يجوبون الممرات الضيقة بين الكراسي، منهالين على زبائن القهوة بدعوات لا تنتهي. اقترب منه أحدهم وبدأ أسطوانة الأدعية، لم يلتفت إليه للحظة، حيث كانت عيناه على هاتفه وهو يتحرك. لقد كانت والدته تتصل به للمرة الثانية عشر على التوالي. أسكت الهاتف بكبسة زر وأدرك وجود الشحات بجانبه بينما تأفأف أصدقاؤه وحاولوا إبعاد الشحات بالتجاهل التام. لم يكن الشحات عجوزًا مستندًا على عكاز، إنما كان شابا لم يتخط الثلاثين من عمره، ولا يستطيع إكمال جملة كاملة بدون أن تلح عليه رئتاه المتعبتان أن يتوقف لوهلة ليدخل إليهما بعض الهواء. كان صوته مليئًا بعلامات تدهور حالة ما بداخله من أعضاء، وكانت عيناه تقفز من وجه إلى اّخر بينما ينهمر الدعاء و الرجاء من شفتيه. بعد دقائق، استسلم أحد الرفاق وأعطى الشحات قليلا من الفكة، أخذها ثم ذهب في سعادة مكتومة إلى طاولة أخرى.

قبل صلاة العيد بوقت قصير توقفت أم كلثوم عن الغناء وقرر أن يغلق هاتفه ليتفادى وخزات الذنب التي قد تفسد “فرحة العيد”. بدأ الازدحام يتلاشى إلى المساجد و البيوت. قام هو وصحبته إلى سيارة أحدهم. و في ما بدت و كأنها أظلم بقعة على وجه الأرض، بدأت ليلة العيد الحقيقية. بعد وقت لا يدرك إن كان طويلًا أم قصيرًا، بدأ الدخان يتراكم في السيارة بينما بدأت الشمس تشق طريقها لتعلن بداية يوم العيد. وإذا بهم يسمعون صوت طرق خفيف على زجاج السيارة. وراء الزجاج، توجه نظره إلى الشخص المتكئ على زجاج السيارة، وانتظر وهلة لتتذكر عيناه كيف تريان. كان الشحات الشاب الذي دعى لهم بالسعادة و التوفيق منذ ساعات قليلة في القهوة، يشير إلى فمه وفي يده سيجارة خيالية، مبتسمًا ابتسامةً بلهاء لا تدل على الاستسلام. بين أصابع يديه الأخرى كان يحمل منديلًا ملطخًا بالدماء، يرفعه إلى فمه كل مدى آملًا أن يطرد المرض من رئتيه.

بعد مشاورة قصيرة قرر احدهم ان يعطيه ورقة 20، “يمكن يحل عننا”. ولكنه لم يقبل العشرين جنيه و لم يحل عنهم وأصر على مطلبه. كان يدعي لهم بدون توقف، يلح كطفل صغير، ويتحدث بين أنفاسه المتقطعة كأنه يحارب الموت. لم يكن يكترث بصرخات رئتيه. بدأ يشرح معاناته، كيف أنه أمضى الليل كله “يلف ويدور”، وتأخر الوقت وعاد تجار السعادة إلى مخابئهم، وأوشكت ليلته أن تنتهي بدون عيد.

“ربنا يفرحك بعيالك، اللهم اجعل اّخر أيامك رحمة، طب ربنا يخليلك أهلك وإخواتك. يا رب يـ..”

و بعد ما لا يقل عن نصف ساعة من الإلحاح المستمر، وتجنبا لمزيدٍ من الإزعاج، قرر كل منهم التنازل عن بعض من حصته من الـ”عيد” ليسكتوا الشاب الملح الذي بدا قادرًا على كسر الزجاج بإلحاحه.

ابتعد الشحات في سعادة لم تكن مكتومة هذه المرة. وبين الدخان المتراكم والمحادثات الفارغة و الضحكات الأكثر فراغًا، مضت الليلة في هدوء وطلع الصباح على سماء القاهرة.

مر أول أيام العيد عليه في بطئ وملل غير مسبوقين، فيما عدا الشجارات والمنازعات المتكررة مع والدته التي أمضت ليلة العيد وحيدةً باكيةً، بينما قضى ابنها ليلته في عيدٍ مختلفٍ تمامًا. كانت تبكي كلما نظرت إليه وتقسم أنها “خايفة عليه” و”خايفة على مستقبله،” لا تهدأ عن معاتبته ورجائها أن يبقى في البيت الليلة، أو أن يقضي ولو لحظةً خارج غرفته. عتابها المتكرر وإحساسه باللا مبالاة تجاه دموعها أخافه وزلزل كيانه. ولكن مع اقتراب الليل، وقبل أن تزور الصحوة ضميره، جاء اتصال أحد اصدقائه لتأكيد موعدهم على نفس القهوة، وجاء مع هذا الاتصال عذرٌ قبيحٌ لتناسي وجه أمه الذي أغرقته الدموع وعينيها اليائستين.

قلت كثافة الشحاتين وبدأ عبد الحليم يغني بينما ارتاحت أم كلثوم لبعض الوقت، ودارت المشاريب على الموائد المستديرة  في جو يشجع على نسيان الحياة وما بها خارج أسوار القهوة. أحس بنفسه يغرق مرةً أخرى في عقله الباطن، ولكنه لم يجد إلا سواد الحزن والخجل هذه المرة، مفتقدًا السعادة الفارغة.

دخلت إلى القهوة سيدةٌ كبيرةٌ في السن، مرتديةً عباءةً سوداء، محدثةً ضجةً مفاجئةً غطت على صوت عبد الحليم وأسكتت محادثات الجالسين، صارخة بأعلى صوتها: ابني، ضنايا! مين عمل فيك كده يا محمد! يا ناس، ابني مات، ليه يا ناس!” صرخت السيدة بينما راقب الجميع في صمت حذر. تلعثمت خطواتها في أحد الكراسي و قام بعضهم ليساعدها، ثم أخذت تسأل الجالسين واحدًا تلو الآخر عن محمد و”مين عمل فيه كده”.

كان يراقب في هدوء بينما تصاعدت وتيرة ضربات قلبه. استمع إلى كلمات الأم الباكية وهي تصف بتفصيلٍ ملامح محمد، الشحات الشاب، اللذي توفي في الشارع مع بداية أول ايام العيد، حينما فشلت رئتيه، بمساعدة قليلة من ليلة العيد، أن تحتمل ما يسري في شرايينه من فقر و إدمان و عوادم من شوارع القاهرة. وجد محمد في إحدى الشوارع القريبة من القهوة صباح اليوم، محاطًا بما تبقى من فرحة عيده.

“ابني اتسمم يا ناس، والنبي قتلوه. والنبي يا باشا دللني هو كان مع مين، مين قتل ضنايا!” لم يكن يغرق في عقله الباطن هذه المرة، ولكن كيانه كله كان يغرق ببطء، تحت غيمة غير مسبوقة من الحزن وليس الخجل البسيط، إنما العار. ظل يراقب وجه الأم الباكية ابنها ويستمع إلى نحيبها، وصفعه الشبه بين هذه الدموع ودموع أمه، تحركت قدميه دون أن يشعر بهما، ومع خطواته التي ابتعدت عن القهوة، جرت دموع حارقة في عينيه، بينما استقبلته شوارع القاهرة بأصواتها الصاخبة التي لم تكن أعلى من صوت دقات قلبه.

وإذا به يخرج هاتفه من جيبه ويتصل بوالدته، مسارعًا في خطواته، منتظرًا بلهفة أن يسمع صوت أمه و يخبرها أنه عائدٌ إلى أحضانها. كان  يمشي في سرعة ملهوفًا ليعود إلى المكان الذي يستطيع أن يبكي ويتحدث ويشعر فيه، المكان الذي لا يوجد به غير السعادة، تلك السعادة التي أبدًا لم تكن فارغةً أو مؤقتةً أو خاليةً من المعاني.

استمرت رنات المكالمة بدون إجابة في أذنيه، ووجد نفسه يتسائل إذا كان الباب لا يزال مفتوحًا، وإذا كانت أمه ما زالت تتذكره كما كان قبل ليالي العيد المتوالية، قبل المنازعات والدموع، وقبل أن يغفو ضميره عن قلبها الباكي وعينيها الساهرتين.

 


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email