Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Thursday, 23rd November 2017

#خلطة_بيتا: يوميات طالب هندسة فى برلين (۲)

Posted on 06. May, 2015 by in Blog, Columns

Photo by: Mario Sokari

Photo by: Mario Sokari

 !معاناة ما قبل السفر ومتعة ما بعد

وصلتُ إلى برلين مساء يوم ٤ فبراير، قبل بدء الدراسة بخمس أيام، ولكن فى الحقيقة لم تكن هذه هى بداية الحكاية، فالأحداث بدأت قبل هذا التاريخ بحوالى شهر أو أكثر، فمع قرب إمتحانات نهاية الفصل الدراسى الأول بدأت ترتيبات السفر، والتى تمثلت فى (بالترتيب من الأصعب للأسهل):

١ – الإقامة:

إستغرقتُ وقتًا طويلًا فى البحث عن مسكن بسعر معقول ومكان مناسب لتفادى التأجير فى المساكن باهظة الثمن التى توفرها الجامعة (والتى كانت تتكلف أكثر من ٤٠٠ يورو للفرد شهريًا فى وقتها)، وهى عملية ليست سهلة على الإطلاق، فأنا لم أجد من يساعدنى من داخل برلين نفسها، وإذا لم تجد من يساعدك من هناك فإنك على الأغلب ستغرق فى دوامة الإنترنت الملىء بالنصب والإحتيال، ولن تنجح فى إيجاد مسكن بنفس الأسعار الرخيصة التى يمكنك أن تحصل عليها فى أرض الواقع، كل هذا فى ظل مطالبة الجامعة للطلبة المسافرين بسرعة تسليم مستندات تثبت تأجيرهم لمساكن فى برلين مع وضع (Deadlines) (وهمية) ومستمرة لذلك، مما دفع أغلب الطلبة فى النهاية للجوء لمساكن الجامعة، إلا إننى إستطعت أن أجد شقة صغيرة جدًا تكفى ٣ أفراد بمبلغ ٩٠٠ يورو ( ٣٠٠ يورو للفرد شهريًا)، وهو مبلغ معقول جدًا بالنسبة لما يدفعه زملائى، ولكنه مبالغ فيه جدًا بالنظر إلى مساحة الشقة وموقعها و أسعار الشقق المجاورة.

٢ – تذاكر الطيران:

مع نصائح الجميع بضرورة السفر مبكرًا للإستقرار والتأقلم على الأجواء قبل بدء الدراسة، واجهتُ مشكلة كبرى (مثلى مثل أغلب الطلبة)، فإذا أردت السفر مبكرًا فهذا معناه إننى كنت سأضطر للتضحية بإمتحانات ال(Makeups) أو على الأقل جزء منها، وإذا أردت السفر بعد إنتهاء ال(Makeups) فهذا معناه إننى كنت سأصل إلى برلين قبل بدء الدراسة بيوم أو يومين على الأكثر (حيث أن ال(Makeups) تجرى فى الأسبوع الأول من الفصل الدراسى فى مصر، والفصل الدراسى فى برلين يبدأ بعد أسبوع واحد من بدء الفصل الدراسى فى مصر!)، كل هذا وأنا لا أعلم موقفى ومدى إحتياجى لل(Makeups) من عدمه، بل لازلت لم أدخل إمتحانات ال(Finals) من الأساس! 

وهكذا وعلى طريقة (ودنك منين ياجحا) ظللتُ عاجزًا عن أخذ القرار، وإنتظرت حتى بدأت التذاكر تنفذ وزادت أسعار التذاكر الباقية زيادة أجبرتنى على الحجز عشوائيًا فى أرخص موعد متاح.

٣ – التأشيرة:

بكل أمانة (وعلى عكس توقعاتى) كانت هذه الخطوة هى الأسهل على الإطلاق، فما كان علىَّ إلا أن أسلِّم صورتين إلى ال(Travel Office) فى الجامعة، والإدارة تكفلت بكل شىء أخر، وبعد أن أنهوا كل الإجراءات أخطرونا بموعد المقابلة فى السفارة الألمانية فى حى الزمالك، وذهبنا إلى السفارة فى الوقت المحدد لنجد مندوبين الجامعة فى إنتظارنا لتسهيل وتذليل كل العقبات، وبدون مبالغة فأنا ذهبت إلى السفارة فقط لكى أوقع وأدفع ثمن التأشيرة، ولم تتخطى مدة وجودى فى السفارة ال١٠ دقائق، وهنا يجب أن أحيى قوة ونفوذ الجامعة، لأن معاملة السفارة لم تكن بالمثل لمن هم ليسوا من الجامعة.

ورغم إنه لا حاجة لأن أذكر ذلك، إلا إننى أؤكد أنه لم ولن ترفض تأشيرة لأى طالب تقدم عن طريق الجامعة، فمشوار السفارة ماهو إلا إجراء روتينى بحت.

وبهذا أستطيع الأن أن أعود للحديث عن ما حدث عقب الوصول إلى برلين، بعد يومين من وصولى (أى فى يوم ٦ فبراير) أقامت لنا إدارة الجامعة فى برلين جلسة توجيهية أو (Orientation Session) كانت قد أخبرتنا الجامعة عنها مسبقًا قبل مغادرة مصر وأعلمتنا أن حضورها إجبارى، ولكن الكثير من الطلبة المسافرين لم يهتموا بأمر هذه الجلسة إعتقادًا منهم بأنها غير مهمة وبأن الجامعة أخبرتنا أن حضورها إجباريًا للمبالغة ليس أكثر، ولكن فى الواقع فإن هذه الجلسة كانت فى غاية الإفادة والأهمية، فلقد أنهوا لنا بها كل الإجراءات التى نحتاجها للعيش هنا طيلة ال ٥ شهور وفى وقتٍ لا يذكر، أنهوا لنا إجراءات الإقامة والتسجيل فى أوراق الحكومة الألمانية (وهو إجراء إجبارى للمغتربين الذين سيمكثون فى ألمانيا لفترة طويلة) بدون الحاجة للذهاب إلى أى مقر حكومى، 

وأنهوا لنا أيضًا إجراءات فتح الحسابات البنكية التى سيودعون لنا الأموال فيها أول كل شهر وبدون الحاجة إلى الذهاب إلى فرع البنك، فلقد جلبوا لنا حوالى ١٠ موظفين من (Commerzbank) – وهو أحد أكبر بنوك ألمانيا – إلى مقر الجامعة حتى ينهوا لنا كل الإجراءات وكأننا فى أحد أفرع البنك بالضبط!

هذا طبعًا بخلاف بعض المعلومات المهمة التى ذكروها فى خلال الجلسة، مثل المواصلات العامة وكيفية عمل إشتراك شهرى بها، وخطوط الهواتف المحمولة وكيفية شراءها وتفعيل خدمات الإنترنت بها على سبيل المثال، كانت جلسة مثالية بكل المقاييس، وعانى كثيرًا من لم يحضرها.

وهكذا بدأت حياتى فى برلين، ٥ شهور سأعيشها بمفردى هنا، ٥ شهور سأتحمل فيها مسؤولية نفسى كاملةً من تحضير الأكل وغسيل الأطباق وتنظيف الشقة وغسيل وكى الملابس وتدبير وتخطيط حياتى طبقًا لمبلغ مالى محدد يصرف لى أول كل شهر، هذا طبعًا بالإضافة إلى الدراسة والمذاكرة، كل هذا بعد أن كنت – مثلى مثل أغلب من حولى – ذلك الشاب المدلل الذى لايحسب حسابًا للأموال، أأكل ما أريد وقتما أشاء وأنقل ملابسى من على السرير إلى كرسى المكتب فى المساء لأجدها نظيفة ومكوية فى الدولاب فى الصباح لألبسها وأأخذ سيارتى وأنطلق بها إلى أينما شئت.

بالطبع كنتُ متخوف قليلًا من هذه المسؤولية فى البداية، ولكن دعونى أؤكد لكم، أن تعيش بمفردك وتتحمل مسؤولية نفسك هو أمتع شىء من الممكن أن يحدث لك على الإطلاق!

لازلت أتذكر جيدًا أول طبخة حاولت أن أطبخها هنا، كنت أتضور جوعًا وفوجئت بإنى أحرقت الأكل تمامًا، وبعد تردد طويل غلبنى جوعى وقررت إننى سأكلها، وكانت هذه الأكلة (المحروقة) من أشهى ما أكلت فى حياتى!

لازلت أتذكر جيدًا أول مرة تُهت فيها، نفذ الشحن من بطارية هاتفى وكان الوقت متأخرًا جدًا والبرد قارس لدرجة إنى فقدت الإحساس بأنفى وأُذناى ويداى، كل هذا ولا يوجد أى مخلوق فى الشارع لأسأله، أتذكر جيدًا البرد وهو يؤلمنى فى عظامى، وإحساسى وأنا أتحسر على سيارتى التى كانت ستأوينى، ولكنى وأنا أكتب هذه الكلمات الأن وأتذكر ذلك اليوم، فإنى أعتبره بأنه كان أحد أجمل وأسعد أيام حياتى، وشعورى بالنصر عندما وطأت قدماى أرض الشقة كان شعور لم أحسسه من قبل، شعور لا يُمكن أن يوصف بالكلمات!

حقًا ما أجمل المغامرة والحرية، أمتع شىء فى الوجود، وهنا الحرية مطلقة، فإذا كنت تخجل من مظهرك العام فهنا لا أحد يعرفك، قراراتك كلها نابعة من مبادئك وأفكارك فقط بدون أى مؤثرات أو ضغوط خارجية، حتى أهلك لا يعلمون فيما تصرف مالك، هم فقط يعلمون ما يصلك أول كل شهر، أما كيف تدبره أو تنفقه فهو قرار ملكٌ لك وحدك ولن يحاسبك أحد عليه أو يؤثر فيه، ولكنك فى نفس الوقت أنت (وأنت فقط) هو من سيتحمل عواقب قراراته، فلن تجد من يُنقذك إن أسأت التصرف، من الأخر أنت هنا “رئيس جمهورية نفسك”!

كنت أود الحديث فى هذا المقال عن الحياة الأكاديمية فى الجامعة هنا، ولكنى لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، ولكن قبل أن أنهى هذا الجزء أود أن أكتب لكم موقف أخير خطر ببالى ولا أستطيع أن أمنع نفسى عن كتابته، فبمجرد تذكرى لليوم الدراسى الأول لى هنا، أتذكر أول محاضرة – والتى كان يلقيها دكتور ألمانى – وأتذكر أولى كلماته والتى قالها لنا وهو يضحك، والتى سأنقلها لكم الأن (نصًا) على طريقة الأفلام الأجنبية المترجمة:

“صباح الخير، إسمى بروفيسور …….،
لقد طلبوا منى أن أضع لكم إمتحان أخر الفصل الدراسى على أن تكون مدته ٣ ساعات، ٣ ساعات!!
من الخارق الذى يستطيع التفكير لمدة ٣ ساعات متواصلة؟!
بالتأكيد هم يمزحون، أليس كذلك؟!
إما هم يمزحون أو هم مجانين!”

أعتقد بأن هذه الكلمات هى مسك الختام، وهكذا كان الجزء الثانى من (يوميات طالب هندسة فى برلين).


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email