Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Tuesday, 27th June 2017

المرايا: العقد القديم

Posted on 24. Apr, 2015 by in Columns

أمسكت بالعقد الملتف حول جيدها في قلق، ما زالت ترتديه منذ أن أفاقت عيناها على الدنيا. اعتادت عيناها رؤية كراته البيضاء الهادئة حول رقبتها، وجوده يضفي لها تصنيفًا خاصًا في كل مكان، لطالما حاولت هي تصنيفه بلا جدوى، أحسته في أيام يضيق على رقبتها ويكاد يعتصرها وفي أيام أخرى يلين إلى داخل صدرها ليدفئ قلبها المضطرب. نظرت إليه في المرآة في حيرة كأنما تريد أن تتحدث معه ولو للحظات، تمنت لو نطق لها ببضع كلمات ليشرح لها دوره في حياتها اليافعة.

اليوم زفافها على رفيق عمرها، ذلك اليوم الذي حلمت به فوق الألف مرة، رأت ذلك العقد في بعض أحلامها تلك وغاب عن بعضها الآخر. اشترت كل مستلزمات اليوم الكبير، ظفرت بفستانها الأبيض المطرز بالخيوط المطفية على جدليه والمتدلية على أطرافه بانسيابٍ أنيق، ومعه أتت بالحلق المرصع بقطع الماس الضئيلة التي أضفت على جانب أذنيها مزيجًا من الأناقة والرقي، لبست القفاز الأبيض ذو الدرجة الباهتة لتبدو بهيئة أميرات الأفلام الكارتونية التي لطالما عشقتها، ظفّرت بعضًا من خصلات شعرها الأسود المموج على الأطراف وأطلقت معظمه على جانب خدها الأيمن لتطلق لمظهرها سحرًا فريدًا صممت ملامحه منذ الطفولة. كان كل شيءٍ جاهزًا ولم يتبقَّ سوى تقرير مصير عقد اللؤلؤ العتيق.

اختلفت النصائح حول عقدها، كانت تعلم أن قرارها اليوم سيرسم مصير العقد في حياتها إلى الأبد، إن خلعته اليوم فلن يعود إلى نحرها مجددًا، وإن تركته فحتمًا سيكمل معها باقي أيام حياتها. كثير من النصائح التي تلقتها أشارت عليها بخلعه، لأنه لم يعد له قيمة في أيامنا هذه، ولأن بدائله المختلفة ستبدو أكثر أناقة وحداثةً منه، ولكنها كانت تتوجس من ذلك الاختيار لأنها لا تستطيع تخيل شكلها بدونه. ذهب البعض الآخر إلى نصحها بخلعه وتبييضه وتلميعه لأن آثار القدم والتاريخ قد تركت فيه بصماتها، ولأن الكثير من التراب غطى بعض لآلئه بشكل لم يعد تمييز هيأته بعده ممكنًا. وجَّهها آخرون بإضافة بعض الكرات “الفالصو” الناصعة البياض إليه لتجمّل من شكله ليليق بدرجة فستانها. ونصحها قلة بالإبقاء عليه تمامًا كما هو، لأنهم يرون أن قيمته في عتقه وقدمه وتشكل ملامح الحياة عليه رغم أن صورته قد لا تبدو مناسبة للحدث المقام.

تركت غرفتها وهي ممسكة بكرات العقد في تفكير عميق، تداخلت الأفكار في رأسها، ألا يجب عليها التحرر منه وإبقاء جيدها حرًا فارغًا لا تضغط عليه كرات اللؤلؤ، أم أن عليها أن تغير من شكل المشهد بكامله، أن تغير فستانها وحلقانها بل وفرحها بالكامل لكي يتناسبوا مع طبيعة العقد وقيمته، ولكنها إن أقدمت على ذلك فسوف تفسد حدث عمرها بلا شك وسوف يلمزها الناس بالشذوذ عن مجتمعهم وابتعادها عن تقاليده.

دخلت إلى القاعة وكلتا يديها تتلاعب بالكرات في تسارعٍ ملحوظٍ، أحست برأسها يقترب من الانفجار، خصوصًا وهي ترى العيون كلها تفصّل هيأتها، أمسكت بالعقد في قوة مفرطة، اقتلعته من حول رقبتها، سقطت إحدى كراته على الأرض فداست عليها بكل قوتها ولكنه لم يتأثر، أسرعت إلى أحدى قريباتها وناولتها العقد وأخبرتها أن تعلقه على مرآة سيارتها أو على مكتب غرفتها. تركتها وانطلقت إلى منتصف القاعة حيث استدعاها مقدم العرس لترقص الرقصة الافتتاحية، تاركةً وراءها قريبتها التي لم تدرِ ما يجب أن تفعل بعقد قديم تجاوز عمره الـ1400 سنة. 


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email