Stay Connected:     Join our Facebook page   Follow us on Twitter   Subscribe to our YouTube channel
   
Tuesday, 19th September 2017

!المَرَايَا – لو علمتم الغيب .. لاخترتم أسوان

Posted on 21. Apr, 2014 by in Columns

تصميم : جو سعيد

تصميم : جو سعيد

تلاحقت أنفاسه في سباق مخيف نحو رئتيه .. تساقطت من على جبينه حبّات العرق بغزارة .. اختلطت دموعه بالدم المتدفق من طرف شفته .. يركض وفي كل موضع منه ألم .. تمر بمخيلته  ذكرياته ما بين فرح وهم وشوق ورثاء .. ينظر حوله فيبتسم رغم المشهد العبثي .. لم يجرؤ خياله أن يرسم مثل هذه الصورة ولو مزاحًا .. أن يرى الوحش ضعيفًا خائرًا يبطش بيده العمياء استنجادًا من موت محتم .. أن يرى الشمس تشرق مرة أخرى بعد أن حجبوها عن الأعين .. أن تزور لياليه نسائم عيش بلا قيود .. انحرف إلى شارع جانبي .. ومنه إلى آخر .. تناسى أنه يحمل صديق عمره خائر القوى على ظهره .. تناساه كما تناسى الألم واليأس والهمّ والخوف .. أحس للحظات أنه مالك أمره .. أنه أقوى من أي شيء حوله .. كان رغم كل ما مرّ به يركض ورأسه منصوبة في علياء وشموخ.

أحقًا ما يجري؟ ألن يسافر إلى آخر الأرض ليستجدي لقمة بعد أن ضاقت به أرضه؟ ألن يزوره الموت قبل أوانه حين تأخذه الأقدار إلى مشفى حكومي؟ ألن يفرغ جيوبه طلبًا لحقه في استخراج مستند شخصي؟ ألن يصمت مجددًا حين يشهد مهانة فاجرة من مختلٍّ يحتمي بشارة يرتديها؟ ألن يمضي الساعات في “مقهى أسوان” وسط صحبته يراود نفسًا أعياها الانهيار؟ ظلّت الأفكار تتخابط في عقله وهو ينزلق من منحنى إلى آخر حتى وصل إلى زقاقٍ ضيّقٍ لا يعرفه .. أخذ يتوارى في ظلمته وهو يضع صديقه إلى جانب الحائط بينما هبط هو إلى الأرض ليلتقط أنفاسه. فتش في جيب سترته الأيمن بحثًا عن هاتفه ليطمئن على بعض رفقائه .. أخذ يبحث عن رقم أحدهم وإذا به يسمع فرقعة مكتومة في آخر الزقاق .

رفع عينه إلى مصدر الصوت ليجد ضوءًا أبيضًا شاحبًا سرعان ما تلاشى .. رجف قلبه للحظات .. لم يعرف التصرف المناسب في تلك اللحظات المجنونة من حياته .. ساد المكان صمت مهيب قبل أن يقرّر المضي نحو آخر الزقاق بخطى بطيئة .. أمعن النظر في المكان حتى وقعت عيناه على جريدة في الركن .. كانت الشيء الوحيد الموجود على أرضية المكان .. التقطها وبدأ يتفحصها وحاجباه ملتصقان من الذهول .. وجد إعلانًا على الصفحة الرئيسية يتحرك وكأنه قناة تلفزونية بداخل الورقة .. أخذ ينظر للفتاة في الإعلان دون أي رد فعل قبل أن تنفث العطر الذي بين يديها فيه فيخرج رذاذه إلى أنفه لتنتابه موجة من العطس الشديد .. تراجع عدة خطوات وترك الصحيفة من بين يديه .. حدّق في المكان حوله ليتأكد أنه مستيقظ .. أأصابه شيء من جنون بسبب كثرة استنشاق الغاز؟ أوصلت هلوسة عقله إلى عينيه؟ أخذ يستجمع قوته وإدراكه لعدة دقائق .. توجه إلى الجريدة والتقطها مرةً أخرى .. بحث عن تاريخها .. دققّ النظر في أعلى الصفحة حتى كادت رأسه تخترقها .. أيُعقل ما يراه حقًا؟ كان التاريخ أمامه يشير إلى نفس اليوم .. ولكن بعد 30 سنة! هبط بمقلتيه إلى العناوين الرئيسية .. كاد فمه ينقسم إلى شطرين من الإتساع .. أخذت عينيه تتجهان يمنة ويسرة في جنون تام .. لا يمكن أن يكون ما يقرؤه صحيحًا .. كان يقرأ عن احتفالات أمنية في نفس التاريخ .. وحديث عن تواريخ أخرى تمجد لم يسمع عنها من قبل .. أخذ يقرأ أسماءً لطالما اتخذها مثالًا للأمل والنضال موضوعة كأمثلة للخيانة وانعدام الشرف .. تلقّت عيناه أسماء أبناء علامات الفساد والظلم مسبوقة بـ”معالي” و”سعادة” .. أخذت التفاصيل المكتوبة تزيد حدقتاه اتساعًا حتى وجد نفسه يلقي بالجريدة تحته .. نظر من حوله ليتأكد أنه ما زال على قيد الوعي وأنه ما زال في مكانه وزمانه .

لم يفهم ما الذي أتى بتلك الصحيفة إلى عالمه .. ولماذا تواجدت أمامه بالتحديد .. أخذت مجاديف عقله تعبث به يمنة ويسرة .. لقد قرأ عن أرقام مفزعة من القتلى الذين سيموتون بسبب الحدث الذي يعيش فيه .. وجد أنهم ماتوا بلا ثمن وأن أحدًا لم يجرّم من قتلوهم .. ليس باستطاعته تخيل تحوّل هذا الحلم الوردي الذي يعيشه إلى مقصلة لإفناء حياة الحالمين به .. ما العمل؟ لقد اطلّع على ما لا يتصوره هؤلاء الباحثون عن غدٍ أفضل .. لقد رأى عزمهم سيوفًا تُشهر وتغرز في ظهورهم .. رأى حلمهم يغذي وحشًا مستترًا يعرف كيف يبذر الأمل ليجتث من فاكهته سمًا يقتل كل من غرسه .. تطلّع إلى السماء في حيرة وخوف وندم .. تذوق طعم دموعه في فمه مهزومة لأول مرة .. أحس بقلبه ساكنًا وكأنه أدرك أنه لا فائدة ترجى من نبضاته .. سمع داخله ألف صرخة خائرة .. اعتدل فجأة كجندي فقد سلاحه وأبى أن يفقد شرفه .. ترك صديقه دونما تفكير وأخذ يعدو مرة أخرى من حيث جاء .. تجاوز كل التقاطعات والقنابل المسيلة في الطريق .. ما بداخله من دمع أقوى من تخرجه تلك القنابل .. رأى الحشود أخيرًا فزاد إيقاع خطواته .

وصل إلى وسط الجموع .. أخذ يطلب ميكروفونًا من بينهم حتى جاءهم أحدهم له به .. ربط حبله على بطنه ومضى يتسلق إحدى أعمدة الإضاءة حتى وصل أعلاه .. أمسك الميكروفون وهتف: “أيها الناس .. أيها البشر .. توقفوا! كفاكم هتافًا .. كفاكم دماءً .. سيحولونها لمسرحية .. سجعلون منها مرثية للبكاء .. ستضيع الدماء .. ستفرقون مثل الأنعام ثم تغدرون  واحدًا واحدًا .. أطفالكم لن يتجرعوا سوى مزيد من القهر .. آباؤكم لن يجنوا سوى مزيد من الضنّ .. اتركوا المكان واذهبوا إلى “أسوان” .. انفثوا غضبكم في وِلْعَةٍ كما عهدتم .. أمضوا أوقاتكم في لعبة ورق على المشروبات .. غنوا للوطن والأمل والحياة .. ولكن لا تجعلوا الأغنيات أمنيات .. فأمنياتكم .. قاتلة!” .. أحس بنار تغزو أسفل كتفه الأيسر .. نظر إليه فوجد ثقب رصاصة يزينه .. ابتسم في رصانة مختلة وافلت يديه .. هذه المرة إلى الأبد .

Tags:


Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

 
 

 

Email